صديق الحسيني القنوجي البخاري

366

فتح البيان في مقاصد القرآن

فَالْحامِلاتِ وِقْراً [ الذاريات : 2 ] وتعطيلها عدم إمطارها ، وقيل المراد أن الديار تعطل فلا تسكن ، وقيل الأرض التي تعشر زرعها تعطل فلا تزرع ، قرأ الجمهور عطلت بالتشديد وقرأ ابن كثير في رواية عنه بالتخفيف . وَإِذَا الْوُحُوشُ أي ما توحش من دواب البر حُشِرَتْ قرأ الجمهور بالتخفيف ، وقرىء بالتشديد أي بعثت وجمعت بعد البعث من كل ناحية حتى يقتص بعضها من بعض ، فيقتص للجماء من القرناء . قال قتادة يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص ، فإذا اقتص منها ردت ترابا فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته كالطاووس ونحوه . وقيل حشرها موتها وقيل أنها مع نفرتها اليوم من الناس وتبددها في الصحارى تضم ذلك إليهم ، قال أبيّ بن كعب حشرت اختلطت . قال الشهاب في ريحانة الألباء : وههنا أمر نفيس نمحو به السيئات وبحث عظيم نحيي به عظام الرفات وهو أن الحيوانات هل يحييها اللّه تعالى وتحشر ويقتص لبعضها من بعض ؟ فأكثر أهل الحديث والسنة والأصول على أنه كذلك لوروده في القرآن في قوله تعالى : وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ولقول سيد المرسلين صلى اللّه عليه وآله وسلم في خبر القصاص يوم القيامة : « يؤخذ للجماء من القرناء » « 1 » . وخالفهم أبو الحسن الأشعري فقال في كتاب الإيجاز ما نصه : لا يجب على اللّه أن يعوض البهائم والأطفال والمجانين وجميع الخلق الذين خلق فيهم الألم خلافا للقدرية حيث قالوا إن اللّه تعالى إذا آلم الحيوان لا على سبيل الاستحقاق ويجب عليه أن يعوضهم وإلا يكون ظالما . ودليلنا أن العقل لا يوجب على اللّه شيئا ، وإذا ثبت أن البهائم وغيرها من الحيوان الذي خلق فيه الألم من غير جرم ولا ذنب لا يستحقون ذلك لم تجب إعادتهم ولا نشرهم ولا حشرهم يوم القيامة . وقال القدرية : إن لم يعوضهم في الدنيا فإنه يجب عليه حشرهم في الآخرة وبعثهم كبعث المكلفين . فإن قالوا قد قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في خبر القصاص « حتى يؤخذ للجماء من القرناء » . قلنا المراد به حتى يؤخذ للضعيف من القوي ، فكنى بذلك عنهم لأن الدليل قد قام على أنهم غير مكلفين ، ومن لا تكليف عليه لا يعاقب ولا يقتص منه انتهى .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 72 ، بلفظ : « إن الجماء لتقص من القرناء يوم القيامة » .